القرطبي
54
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
( أنى يكون له ولد ) أي من أين يكون له ولد . وولد كل شئ شبيهه ، ولا شبيه له . ( ولم تكن له صاحبة ) أي زوجة ( وخلق كل شئ ) عموم معناه الخصوص ، أي خلق العالم . ولا يدخل في ذلك كلامه وصفات ذاته . ومثله " ورحمتي وسعت كل شئ ( 1 ) " ولم تسع إبليس ولا من مات كافرا . ومثله " تدمر كل شئ ( 2 ) " ولم تدمر السماوات والأرض . قوله تعالى : ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على كل شئ وكيل ( 102 ) قوله تعالى : ( ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو ) " ذلكم " في موضع رفع بالابتداء . " الله ربكم " على البدل . " خالق كل شئ " خبر الابتداء . ويجوز أن يكون " ربكم " الخبر ، و " خالق " خبرا ثانيا ، أو على إضمار مبتدأ ، أي هو خالق . وأجاز الكسائي والقراء فيه النصب . قوله تعالى : لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو الطيف الخبير ( 103 ) قوله تعالى : " لا تدركه الأبصار " بين سبحانه أنه منزه عن سمات الحدوث ، ومنها الإدراك بمعنى الإحاطة والتحديد ، كما تدرك سائر المخلوقات ، والرؤية ثابتة . فقال الزجاج : أي لا يبلغ كنه حقيقته ، كما تقول : أدركت كذا وكذا ، لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث في الرؤية يوم القيامة . وقال ابن عباس : " لا تدركه الأبصار " في الدنيا ، ويراه المؤمنون في الآخرة ، لإخبار الله بها في قوله : " وجوه يومئذ ( 3 ) ناضرة إلى ربها ناظرة " وقال السدي . وهو أحسن ما قيل لدلالة التنزيل والأخبار الواردة برؤية الله في الجنة . وسيأتي بيانه في " يونس ( 4 ) " . وقيل : " لا تدركه الأبصار " لا تحيط به وهو يحيط بها ،
--> ( 1 ) راجع ص 296 من هذا الجزء . ( 2 ) راجع ج 16 ص 205 . ( 3 ) راجع ج 19 ص 105 . ( 4 ) راجع ج 8 ص 330 .